مجموعة مؤلفين
368
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وقد استلفت هذا التلاقى بعض الأنظار ، فلاحظ نيكلسون بحق « أن لدى ابن عربى كثيرا مما يذكرنا باسبينوزا » « 1 » ، وأشار ريفو إلى أن لدى اسبينوزا تيارين ، تأثر في أحدهما بالفكر اليهودي الوسيط ، وبالفكر الإسلامي من خلاله « 2 » . غير أن واحدا منهما لم يقف عند هذا ، ولم يتعمق البحث فيه . والواقع أن صلة اسبينوزا بفلسفة القرون الوسطى قوية وواضحة ، وسبق لنا أن عرضنا لنظرية فلسفية إسلامية قال بها الفارابي ( 339 ه ) ، وبيّنا وجه الشبه بينها وبين ما ورد على لسان اسبينوزا « في الرسالة الإلهية السياسية » ، ونعنى بها نظرية النبوة « 3 » . ونريد اليوم أن نعرض لمذهب من المذاهب الفلسفية الكبرى التي عرفت في الإسلام ، ونبين موقف ابن عربى واسبينوزا منه ، وهو مذهب وحدة الوجود . وإذا كان ابن عربى يعد شيخه في العربية ، فإن اسبينوزا يعتبر حامل لوائه في اللاتينية ، ولشد ما يلتقيان في هذا ويقتربان . ولا نظن أحدا صاغ هذا المذهب مثلما صاغاه ، واستوفى القول فيه مثلما استوفياه . فصل الزمن بينهما بما يزيد على أربعة قرون ، ومع هذا لا يكاد يحس قارىء وحدة الوجود عندهما بفروق زمنيّة . وإذا عز علينا أحيانا إثبات التسلسل التاريخي لبعض الآراء والمذاهب ، فلا أقل من أن نكشف عما بينهما من توافق أو تباين . ليست فكرة وحدة الوجود وليدة التاريخ المتوسط أو الحديث ، وإنما تصعد إلى الفكر القديم شرقيا كان أو غربيا . فعرفت لها صور في البراهمية والكونفوشية ، كما بدت لها مظاهر في الفلسفة الأيونية . وأوضح ما تكون لدى الرواقيين والأفلوطينيين ، الذين شاءوا أن يردوا الكون إلى أصل إلهي .
--> ( 1 ) Nicholson , Legacy of Islam , London , 1947 , p . 226 . ( 2 ) A . Rivaud , Histoire de la philosophie , Paris , 1950 , T . III , p . 312 . ( 3 ) إبراهيم مدكور ، في الفلسفة الإسلامية ، منهج وتطبيقه ، القاهرة 1947 م ، ص 137 -